فخر الدين الرازي
233
تفسير الرازي
المسألة الثانية : في يتمطى قولان : أحدهما : أن أصله يتمطط أي يتمدد ، لأن المتبختر يمد خطاه ، فقلبت الطاء فيه ياء ، كما قيل : في تقصى أصله تقصص والثاني : من المطا وهو الظهر لأنه يلويه ، وفي الحديث : " إذا مشت أمتي المطيطي " أي مشية المتبختر . المسألة الرابعة : قال أهل العربية : * ( لا ) * ههنا في موضع لم فقوله : * ( فلا صدق ولا صلى ) * أي لم يصدق ولم يصل ، وهو كقوله : * ( فلا اقتحم العقبة ) * ( البلد : 11 ) أي لم يقتحم ، وكذلك ما روي في الحديث : " أرأيت من لا أكل ولا شرب ، ولا استهل " قال الكسائي : لم أر العرب قالت في مثل هذا كلمة وحدها حتى تتبعها بأخرى ، إما مصرحاً أو مقدراً ، أما المصرح فلا يقولون : لا عبد الله خارج حتى يقولون ، ولا فلان ، ولا يقولون : مررت برجل لا يحسن حتى يقولوا ، ولا يجمل ، وأما المقدر فهو كقوله : * ( فلا اقتحم العقبة ) * ثم اعترض الكلام ، فقال : * ( وما أدراك ما العقبة * فك رقبة * أو إطعام ) * ( البلد : 12 ، 14 ) وكان التقدير لا فك رقبة ، ولا أطعم مسكيناً ، فاكتفى به مرة واحدة ، ومنهم من قال التقدير في قوله : * ( فلا اقتحم ) * أي أفلا اقتحم ، وهلا اقتحم . * ( أَوْلَى لَكَ فَأَوْلَى * ثُمَّ أَوْلَى لَكَ فَأَوْلَى ) * . قال قتادة والكلبي ومقاتل : أخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم بيد أبي جهل . ثم قال : * ( أولى لك فأولى ) * توعده ، فقال أبو جهل : بأي شيء تهددني ؟ لا تستطع أنت ولا ربك أن تفعلا بي شيئاً ، وإني لأعز أهل هذا الوادي ، ثم انسل ذاهباً ، فأنزل الله تعالى كما قال له الرسول عليه الصلاة والسلام ، ومعنى قوله : * ( أولى لك ) * بمعنى ويل لك ، وهو دعاء عليه ، بأن يليه ما يكرهه ، قال القاضي : المعنى بعد ذلك ، فبعداً ( لك ) في أمر دنياك ، وبعداً لك ، في أمر أخراك ، وقال آخرون : المعنى الويل لك مرة بعد ذلك ، وقال القفال : هذا يحتمل وجوهاً أحدها : أنه وعيد مبتدأ من الله للكافرين والثاني : أنه شيء قاله النبي صلى الله عليه وسلم لعدوه فاستنكره عدو الله لعزته عند نفسه ، فأنزل الله تعالى مثل ذلك والثالث : أن يكون ذلك أمراً من الله لنبيه ، بأن يقولها لعدو الله ، فيكون المعنى * ( ثم ذهب إلى أهله يتمطى ) * ( القيامة : 33 ) فقل له : يا محمد : * ( أولى لك فأولى ) * أي احذر ، فقد قرب منك مالا قبل لك به من المكروه . * ( أَيَحْسَبُ الإِنسَانُ أَن يُتْرَكَ سُدًى ) * . أي مهملاً لا يؤمر ، ولا ينهى ، ولا يكلف في الدنيا ولا يحاسب بعمله في الآخرة ، والسدي في اللغة المهمل يقال : أسديت إبلي إسداء أهملتها . واعلم أنه تعالى لما ذكر في أول السورة ، قوله : * ( أيحسب الإنسان ألّن نجمع عظامه ) * ( القيامة : 3 ) أعاد في آخر السورة ذلك ، وذكر في صحة البعث والقيامة دليلين الأول : قوله : * ( أيحسب الإنسان